محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
167
الإنجاد في أبواب الجهاد
يُتَعَدّى به عِلَّة الحَكَّة ( 1 ) ، وليس أمر الحرب في شيءٍ من ذلك ( 2 ) ، وهذا هو الأرجح . ومستند من أباحهُ في الحرب : قياسهم موطنَ الحرب للضرورة إلى المباهاة والإرهاب ، ولأن فيه قوةً ، ودفعاً ( 3 ) للسهام ونحوها ، كما قال عطاء في الديباج : « إنه في الحرب سلاح » ، فقاسوا هذا على الرُّخصةِ في حديث أنس ، بِعلَّةِ أنه يَدْفَعُ من ضرر الغزو ، إما بالإرهاب ، وإما بكونه من السِّلاح مما هو أشدُّ من ضرر الحكَّة ( 4 ) . ما جاء في الأمر بالدعوة قبل القتال قال الله - تعالى - : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] ، وقال - تعالى - : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } [ الأحزاب : 45 - 46 ] .
--> ( 1 ) الأصح عدم التخصيص ، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى ، تعدّت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى ، إذ الحكم يعم بعموم سببه ، فلا دليل على التخصيص ، وهو على خلاف الأصل ، أفاده ابن القيم في « زاد المعاد » ( 4 / 77 ) . ( 2 ) تحريم الحرير إنما كان سدّاً للذريعة ، لهذا أبيح للنساء ، وللحاجة ، والمصلحة الراجحة ، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع ، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة ، أفاده ابن القيم - أيضاً - ، ولذا قال النووي في « المجموع » ( 4 / 329 ) : « لو خاف المرء على نفسه من حرٍّ أو برد أو غيرهما ، ولم يجد إلا ثوب حرير ، جاز لبسه بلا خلاف للضرورة ، ويلزمه الاستتار به عن عيون الناس إذا لم يجد غيره بلا خلاف » . ( 3 ) في الأصل : ودَفْعٌ . ( 4 ) قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه « تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام » ( ص 124 ) : « والديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح ، يجوز لبسه في الحرب خاصة ، وإذا ادعت إليه ضرورة ولم يجد غيره : كخوف الهلاك ؛ من شدّة بردٍ ، أو مفاجأة حرب ، أو حصول حكة في جسده » . قلت : وإباحته في الحرب إن كان غيره لا يقوم مقامه ؛ هو الصواب . ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية . انظر : « مجموع الفتاوى » ( 28 / 27 ) ، « مختصر الفتاوى المصرية » ( 318 ) .